image_pdfimage_print

(إن أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صنعه)

ابراهام لينكون

وهل يُستشرف المستقبل؟ أم نترقب ما يجلبه لنا موج البحر؟… إن «التغيير» هو «الثابت» الوحيد في هذه الحياة، فماذا أعددنا لثورة صناعية رابعة -قواماها المعرفة- تكتسح العالم؟ علما أنه لم تقم أي من الثورات الاقتصادية الصناعية إلا ولم يعد بعدها العالم كما كان قبلها، واختلفت معها موازين القوى الدولية بداً بالثورة الصناعية الأولى عندما حلت الآلات محل الإنسان، وما ترتب على ذلك من نقلة نوعية في حياة البشر، فبغير شك أو تردد هناك للمستقبل علم قائم بذاته يُعرف بعلم المستقبليات Futurology ومنهج علمي له وسائله وأدواته وأسس علمية لا غنى عنها في التخطيط.

نعيش اليوم ثورة صناعية ثالثة شهدت الانتقال من العصر الميكانيكي إلى الرقمي، مشكلة قالب العولمة الذي نعيشه اليوم حيث مازال البشر يتحكم بهذه الآلات، وقد تطور الدور البشري وتغيرت فلسفة توظيفه داخل الاقتصاد فأفرزت وظائف جديدة لم يكن يعرفها البشر من قبل، وبالتأكيد ستبدل الثورة الصناعية الرابعة -المعتمدة على الثورة الرقمية الثالثة- الدور البشري إلى حد أكبر حيث ستكون الأجهزة قادرة على مخاطبة بعضها دون تدخل البشر وهو ما يسمى بإنترنت الأشياء) Internet of things (. يبدو أن الإنسان مقبل على عصر كل ما هو مطلوب منه أن يركز على ما هو مهم في حياته بدلا من تضييع وقته في تدبير احتياجاته اليومية، فما أن تصحو من نومك حتى تخاطب الأجهزة نفسها لتحضير قهوتك وتشغيل السيارة وإخراجها من موقفها، سيناريو بدأت بوادره بالظهور، وسيصبح في المتناول في المستقبل القريب.

إن التغيير الإحلالي إن صحت الترجمة (Disruptive changes) الذي ستحدثه الثورة الصناعية الرابعة -التي إن أنصفناها فهي ثورة تكنولوجية لا يمكن حكرها بمفهوم الصناعة -، سيفوق ما أحدثته الثورات الصناعية السابقة مجتمعة، مما حدا بمنتدى الاقتصاد العالمي (دافوس) في يناير 2016 إلى اصدار تقرير بعنوان (مستقبل الوظائف) فقط حتى 2020 لمحاولة فهم المتغيرات – اذ من الصعوبة تخيل المستقبل لفترات بعيدة الامد لذا أصبحت الدول لا تعد رؤاها لأبعد من 2030 في أكثر الأحوال تفاؤلا-، ويُنذر التقرير ببطالة تكنولوجية اذا يتوقع ان تختفي من 5 إلى 7 ملايين وظيفة أغلبها في الجانب الإداري خاصة في مجال الرعاية الصحية، يقابلها خلق وظائف جديدة تقدر بمليوني وظيفة معتمدة على المهارات الحسابية والهندسية، وهي وظائف تتشابه في المهارات المطلوبة تنحدر من العائلة نفسها اذا صحت ترجمة ما يسمى بـJob Family وأغلبها في مجالات مرتبطة بتقنية المعلومات والاتصالات.

كذلك يشير التقرير إلى أن 65% من الأطفال الذين سيدخلون المدارس اليوم سيعملون في وظائف لم يسبق ظهورها، الأمر الذي يعني ضرورة إعادة هيكلة التعليم، والنظر في نوعية وحجم الاستثمارات المطلوبة لهذا القطاع الحيوي، فهل للسلطنة خارطة للمهارات البشرية لتحديد فجوة المهارات؟ فليس الوظائف بعينها هي التي ستختفي وانما المهارات المطلوبة تتغير، أم ما زلنا في دوامة موائمة سوق العمل ومخرجات التعليم؟

البطالة لا تنتج من ضيق القاعدة الاقتصادية فحسب بل من افتقاد المهارات المطلوبة لسوق العمل، وهو ما يفسر لنا تحقيق نسبة 12% من التعمين بالقطاع الخاص بعد أكثر من عقدين من إطلاق برنامج التعمين مع تزايد الحاجة لفرص عمل مجزية للشباب العماني، فوضع البطالة في دول الخليج يختلف عنه في الدول الأخرى إذ انه تحديا ديموغرافيا فاكثر من نصف السكان ضمن فئة عمرية اقل من 25 سنة، فماذا يعني أن تكون هذه الدول محط أنظار الباحثين عن فرص افضل في الحياة، وأبنائها يبحثون فيها عن أمل التوظيف المجزي وليس الوظائف الدنيا. إن لم تنجح دول الخليج بالارتقاء بالمهارات المطلوبة بسوق العمل فسينتهي المطاف بسياسات توطين الوظائف -مهما اختلفت مسمياتها– بخلق طبقة من العمال على حساب تآكل الطبقة الوسطى لشعوب دول الخليج. العالم مقبل على تحولات كبيرة، لا يمكن أن يكون معها المستقبل مجرد وجهة نظر نخشى التفكير فيها أو ينظر له البعض على أنه ترف وليس ضرورة، إن الثورة الصناعية الرابعة لا تصلح معها الهيكلة الاقتصادية التقليدية -ولا اي من مفردات التفكير والفعل التقليدي- وبما ان العولمة أحدثت تغيّرا ملحوظا في القيم الثقافية والاجتماعية ما شكل مفهوم جديد للأمن القومي ظهر في حروب السايبر Cyber Wars . فلا يمكن الحديث عن إعادة هيكلة اقتصادية دون رؤية شاملة تتوافق عليها كل عناصر الدولة فتكون على استعداد للبذل والعطاء من أجل تحقيقها، وتتوفر لها الإمكانات الحالية والمحتملة، وتفتح آفاق مضيئة نطل بها على مستقبل يحتاج منا الآن وليس غدا إلى إعادة هيكلة شاملة اقتصادية واجتماعية، فمن البديهي أن تواجه الحكومات ضغوطا متزايدة لتغيير نهجها الحالي، وتبني خطط تواصل جديدة فرضها إعلام اجتماعي تفاعلي لإشراك الجمهور في رسم السياسات. في عصر بإمكانك أن تدير كل شيء وأي شيء من أي مكان أُنهيَ مفهوم المركزية التقليدي وأوجد ضرورة إعادة توزيع السلطة وتبني اللامركزية، فالقدرة على التكيف مع هذه المتغيرات أصبحت مسألة بقاء.

لا يمكن فصل التخطيط عن استشراف المستقبل في وقت يميزه عدم اليقين، اذ كيف يمكن «تحقيق حلم المستقبل الأفضل» دون قراءة فاحصة للحاضر لها من الصدق ما يبعدنا عن مجاملة أنفسنا، ومن الأمانة ما يمنعنا من جلد الذات، فلا بديل عن تبني منهج علمي لاستشراف المستقبل الذي لا يصنعه إلا فكر تخطيطي يتجاوز النظر إلى ما هو أبعد من تحت الأقدام، يقفز بطموحاته عن مجرد حلم بتوفير الأساسيات… فهذا ما يحتاجه اليوم صانع القرار.

العمل الاستشرافي يرتكز على قدرات تمتلك قاعدة معرفية لصياغة الاستراتيجيات، لديها مَلكة النظرة الكُلية والفاحصة للماضي والحاضر للاستخلاص الدروس والعبر: هم «المستقبليون» أصحاب القيادة الرؤيوية visionary leadership والفكر التقدمي، يمتلكون خيال واسع الأفق ويطرقون باب المخاطر ولا يغلقون الأبواب على انفسهم.
الدراسات المستقبلية هي كذلك دراسات تحذيرية -حتى لا يقع الفأس في الرأس-، إذ تتنوع ما بين الدراسات الاستطلاعية، والاستقصائية، والقياسية فهي جهاز إنذار مبكر لتقديم «حلول استباقية « لتحديات جديدة قادمة لا محالة، فالتغيير إن لم تتم قيادته بعلم ووعي تحدث في المجتمعات فجوات يصعب جدا تجسيرها، ما يشكل مجالا خصبا للاستخدام السيئ للتكنولوجيا –فالإرهاب كان دوما احد المستفيدين من الثورات الرقمية-.

إن جملة المعطيات المتشكلة اليوم ما بين ثورة صناعية رابعة مصحوبة بالتغير الديموغرافي العالمي المتمثل في كبر سن الشعوب الأوروبية واليابانية وبروز طبقة وسطى في آسيا تمثل 66% من حجم الطبقة الوسطى عالميا ممثلة بقوة شرائية ضخمة له تبعاته الاجتماعية و السياسية والاقتصادية. توجهات عالمية لا يمكن معرفتها دون تبني أدوات الاستشراف المستقبلي وذلك لبلورة وتهيئة الفرص ورسم الطريق المناسب الذي يسمح بالعمل والتنفيذ والإنجاز.

من يستشرف المستقبل العماني بنظرة تكاملية؟ ومن هي الجهة القائمة على ذلك؟ وهل هناك توجه لتبني علم المستقبل بأدواته المتنوعة في الجهات الاستراتيجية وفي مناهجنا الدراسية؟ فلا يمكن اختزال التطلع للمستقبل في متابعة سيناريوهات تقلبات سعر النفط ، بل الحديث اليوم عن اثر التغيير المناخي، وما هي الخطط لتبني نموذج المدن الذكية إذا لا يبدو أنه مصطلح يلوح في الأفق رغم أنه النتيجة الأبرز للثورة الصناعية الرابعة، ما هي التصورات لما بعد اكتمال شبكة الألياف البصرية وهل ستحول مسقط لمدينة ذكية؟ هل أخذ ذلك بالحسبان في مدينتي الدقم والعرفان؟ ففي سبيل الخروج من الركود الاقتصادي العالمي لعام 2008 الذي كاد أن يعصف بإسبانيا تبنت برشلونة خطة لتحويلها إلى مدينة ذكية أسهمت في خلق 47 ألف وظيفة، فالدول التي تخلو من تبنٍ جاد لمفهوم المدن الذكية هي خارج الخارطة الجديدة ولا تستطيع مواكبة أساليب الحياة الحديثة، فكيف تستعد السلطنة لإصدار رؤية جديدة دون وجود قاعدة استشرافية للمستقبل؟.

لا يمكن أن نضع في ملف «المستقبل» أوراق روتينية «لا جديد فيها» مثلها مثل تلك التي في أرشيف الإدارات الحكومية، لا يمكن العبور للمستقبل خلسة في عتمة الظلام وسط أصوات تردد أفكار تقليدية مثل «أسطوانات مشروخة»، كما لا يمكن انتظار المستقبل انتظار قليل الحيلة الذي لا يملك سوى وضع يديه على خده، فلتكن البداية بإنشاء وحدة «ممكنة» لاستشراف المستقبل.. فهكذا تعلمنا من الكتب، وهكذا تقول تجارب الدول.