الثلاثية المفقودة في الغرفة
image_pdfimage_print

القيادة والحوكمة والأداء ثلاث كلمات أرهقتنا وأرهقناها استهلاكًا، كلمات لم تصل إلى مستوى المصطلحات لدينا، رنانة حالمة تحاول النزول إلى الواقع؛ يُطالب بها القطاع الخاص ممثلا في غرفة التجارة، ويبدو أنها نفسها فقدت البوصلة، فكيف لهذا القطاع أن يتحدث بعد اليوم عن الشفافية ولم نرى تقريرًا سنويًا واحدًا عن أداء الغرفة متوفرًا على شبكة المعلومات؟ كيف له أن يتحدث عن المشاركة ويطالب بالترشيح وليس التعيين وليس هناك فردًا واحدًا من كبرى الشركات العائلية يوجد في مجلس إدارتها، فما من اقتصاد خليجي إلا وتلعب فيه الشركات العائلية دورًا محوريًا في تحريكه شئنا أم أبينا، فهل الحل هو تكامل حكومي خاص أم النفور والفتور؟

لماذا يُحجم كبار التجار عن الترشح؟ ولماذا لا يترشح الجيل الثاني أو الثالث من الشركات العائلية؟ أليس هذا وضعًا غير طبيعيًا عاكسًا لازمة تشريعية في قانون الغرفة البالغ من العمر 44 عامًا والذي تحول إلى نظام؟ لماذا تكثر الكتابات والنداءات للجهة المشرفة على الغرفة حول عدم اجتماع الجمعية العمومية لمدة أربع سنوات، ومقالات إرشادية حول كيفية اختيار قيادة الغرفة؟!!!.

بعد أن أشرنا إلى دور الغرف التجارية في مقال الغرفة جسر الشراكة(منشور في جريدة عمان ديسمبر 2017) يتسنى أن نتساءل: كيف لنا أن نقيس أداء الغرفة؟ بعدد الوفود الذاهبة والآتية؟ بعدد المؤتمرات والورش؟ بالفوائض المالية؟ بأرقام شهادات الانتساب؟، أم بإسهامات الغرفة في صياغة البيئة التشريعية والقانونية لأهم القوانين الاقتصادية والاستثمارية؟ أم بالرأي والفكر في كيفية إزالة المعوقات والتحديات لنمو القطاع الخاص؟ أم بحجم الاستثمارات ونوعيتها التي تمكنت من فتح الطريق لها؟

الغرفة التجارية موضوع في صلب الاقتصاد؛ إذ يمكن القول بلغة بسيطة أن وجود فجوة تعاون بين القطاعين العام و الخاص في وقت تتجه فيه اقتصاديات دول الخليج نحو الشراكة بين القطاعين العام و الخاص -و التي تعد الخصخصة احدى اشكالها-، له من العواقب بما يؤثر سلبا على أداء الاقتصاد الوطني .فما هي الأولويات الاستراتيجية للسلطنة؟ فالحق يُقال قامت الغرفة في الفترة الحالية بدفع المؤسسات الصغيرة و الذي بلا شك من الواجب استمراره، إلا أن الأولوية تقتضي العمل على إيجاد منظومة متكاملة  ecosystem  من تشريعات و بيئة أعمال محفزة و تعليم و تأهيل للموارد البشرية بما يكفل النمو للقطاع الخاص صغيرًا كان أو كبيرًا أو متوسطًا.

تعد غرفة تجارة وصناعة الكويت التي تأسست في عام 1956 من النماذج الجيدة في الإقليم الخليجي ولمحة خاطفة لتقاريرها السنوية نجد أنها تتناول مواضيع تشمل: رؤية الغرفة للإصلاح المالي والاقتصادي للدولة، ملاحظات ومقترحات الغرفة حول اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الوكالات التجارية وحول الاستراتيجية الصناعية، رؤية الغرفة حول قانون هيئة سوق المال، معالجة بطء الدورة المستندية في تنفيذ المشروعات الحكومية …إلى آخره من المواضيع ذات الأهمية والمستوى الاستراتيجي المحققة لمصلحة البلد العليا. فهل هذا ما تناولته غرفة تجارة وصناعة عمان؟.

تظهر أهمية التكتل في الدور الذي ينبغي أن تلعبه غرفة تجارة و صناعة عمان بقدرتها على  ترجمة الموقف الاستثنائي للسلطنة في الأزمة الخليجية بما يخدم مصلحة البلدين و هو أقرب الأمثلة الحاصلة و أهمها. إذ تقول لغة الأرقام في 2017 أن التبادل التجاري بين السلطنة و قطر بلغ 91 مليون ريالا عمانيًا -وهو رقم متواضع على أية حال- مرتفعًا من 39 مليون في عام  2016  إلا أنه ليس هناك ما  يعزز إذا كان هذا الارتفاع نتيجة تحرك الغرفة بشكل مؤسسي، أم أنها جهود حكومية لزيادة التبادل التجاري متمثلة في الموانيء و المطارات؟. فالقطاع الخاص حتمًا سيبحث عن فرص الاستثمار، الفرق يحدث عندما يذهب كتكتل وليس مفردًا. يكمن الفرق عندما تُحدد متطلبات السوق فالغرفة لا يجب أن تحدد فقط الفرص الاستثمارية محليًا بل إقليميًا وعالميًا بدراسة احتياجات الأسواق الحالية والمستقبلية.  وهنا تأتي أهمية الوقوف على الإنفاق البحثي للقطاع الخاص إذ قد نكون ضمن انطباع خاطئ معتقدين أن تقرير التنافسية فقط يسلط الضوء على الأداء الحكومي، فبلغ ترتيب إنفاق الشركات العمانية للبحوث و التطوير في المرتبة 106 من أصل 137 دولة في عام 2017، حيث يحسب للغرفة تأسيسها لكرسي بحثي في جامعة السلطان قابوس.

ورجوعًا إلى بديهيات الأمور التي ما أن وجدت لها البيئة الصحية تبرز بنفسها دون الاضطرار لتدخل حكومي، فإن عدم وصول الكفاءات المناسبة إلى رئاسة الغرفة، يجعلنا وبشكل مؤسف مضطرين إلى ذكر ما تطلبه المرحلة من معايير اختيار قد يسترشد بها الناخبين. إن وجود كبار التجار في الغرفة ليس تشريفًا ووجاهةً إنما فكر براغماتي نحو توظيف علاقاتهم الدولية مما يسهل للسلطنة الدخول بثقل؛ استفادةً من سياستها الخارجية المتميزة. ليست من المبالغة القول أن رئاسة الغرفة ينبغي أن يقودها رجل دولة غير المكترث بالوصول إلى المناصب، فهي عمل تطوعي يُعول عليه الكثير في تنمية الاقتصاد الوطني، متمرسًا في العمل التجاري لديه ما يستند عليه رصيدًا ماليًا و قبله أخلاقيًا في خدمة الوطن. وبما أن رؤساء الغرف يلتقون بمستوى تمثلي يصل إلى رؤساء الدول فإنه من الأجدى أن يمثل القطاع الخاص العماني ما يليق بالسلطنة معرفةً وعمقًا ولباقةً في الحديث.

نأمل أن لا يتكرر مشهد الأمس مع المشهد المرتقب في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، إذ نخشى اضطرار الحكومة لاحقًا للرجوع إلى تعيين أعضاء مجلس الإدارة أو الرئاسة نفسها فذلك يُعد تراجعًا للعملية الانتخابية إلا أنه تحصيل حاصل لغياب عوامل النجاح كعاملي التشريع وأسس الحوكمة الضامنة لعدم التدخل المباشر للجهات المشرفة في عمل الغرفة، حيث أن تدخل الجهة المشرفة على عمل الغرفة خلق جوًا من الثقة المفقودة. فالسؤال المطروح هل هناك اعتقاد من الجهة المشرفة أن السيطرة وإخماد الدور الحقيقي المستقل للغرف التجارية هو الطريق الأمثل للنمو الاقتصادي؟ إذ كانت الإجابة بنعم عبر التدخل غير المباشر في عمل الغرفة، فإن سوء أداء الغرفة أيضًا يسيء للجهة المشرفة عليها ناهيك عن تمثيل لا يليق في المحافل الدولية.

وإذا ما أراد القطاع الخاص تحسين بيئة ممارسة الأعمال؛ عليه أن يلعب دور المبادر لا المتلقي، الدور الفعال لا المتذمر. إن حالة الشلل هذه لن تخدم أيًا من الطرفين و هي حتمًا ليست للمصلحة الوطنية العليا، و الضغط الإيجابي لتغيير سياسات سوق العمل -على سبيل المثال – يكون عبر النزول إلى الميدان للترشح، فالضغط الفردي مصلحة فردية قصيرة النظر.

يمكن تلخيص الوضع القائم في وجود أزمة تشريعية وغياب للحوكمة والتي أدت بدورها الى أزمة قيادية، فالحوكمة في أبسط مفاهيمها الفصل بين المهمة الاستراتيجية والإدارة التنفيذية، والقيادة في أبسط متطلباتها هي الترفع عن الشخصنة والعمل بفكر براغماتي بما يخدم مصلحة البلد. خلاصة القول: هل طلبنا من المترشحين استعراض رؤاهم في القضايا التنموية المطروحة مثل التنويع الاقتصادي والتشغيل، والتنافسية؟ وهل يتوفر لديهم الفكر الاستراتيجي؟.