image_pdfimage_print

«لا تكمن الصعوبة في تطوير أفكار جديدة بل في التخلص من الأفكار القديمة»

جون مينارد كينز في خروجه عن الثوابت المألوفة لدى الاقتصاديين التقليديين في عصره

ما نموذج النمو الاقتصادي القائم اليوم خليجيا؟ تنمو اقتصاديات الخليج عبر الإنفاق على الاستثمار والاستهلاك الحكومي والخاص (بما فيها الفردي)، وذلك بتدوير عوائد النفط في شكل استثمارات أغلبها بنية تحتية مما يحرك القطاع الخاص المعتمد إلى حد كبير على العقود الحكومية. ويكون أيضا عبر الاستهلاك من خلال الإنفاق الجاري الحكومي معظمه في هيئة رواتب (الذي تبلغ فاتورته على سبيل المثال في السلطنة حوالي 6 مليارات ريال عماني بما يزيد عن 70% من إجمالي الإنفاق الحكومي الجاري). فهل نجح النموذج الحالي في تحقيق الأهداف التنموية التي على رأسها التشغيل؟، هل حقق قدرا معقولا من عدالة التوزيع؟، وهل أسس للادخار بما يضمن الاستثمار وتحقيق النمو في المستقبل؟.

أحد مآخذ النموذج القائم انكماش نمو القطاع الخاص إذا ما قررت الحكومة خفض الإنفاق، فالسؤال الجوهري: كيف نخرج من دوامة أن الإنفاق الحكومي هو المحرك الأول والرئيس للنمو الاقتصادي؟: الجواب الشائع أن نتجه نحو التنويع الاقتصادي في القطاعات الخمسة الواعدة المحددة في الخطة الخمسية التاسعة.

إن ضرورة الإجابة على هذه التساؤلات فرضت نفسها منذ أعوام، ومع كل أزمة ناتجة عن انخفاض سعر النفط واستفادة من تجارب الدول الأخرى قد نتساءل حول كيفية خروج دول مثل الصين والهند من فكي الأزمات المالية المتكررة خاصة في عامي (1997-1998)، والأزمة المالية في (2008-2009) محققة نموا اقتصاديا يزيد عن 6% بينما عانت وتعاني أوروبا من انكماش نموها الاقتصادي للفترة نفسها. هنا عاد البريق مجددا لنظريات الاقتصادي جون كينز مؤسس النظرية الكلية الاقتصادية للخروج من الأزمات التي نادت بأن «محرك الاقتصاد هو زيادة الطلب الفعال»، فحينما قل الطلب العالمي توجهت الصين نحو إطلاق الطلب المحلي، وركزت على بناء بنيتها التحتية عبر زيادة الإنفاق الاستثماري الحكومي وزيادة الأجور، وليس معنى ذلك أن السلطنة ودول الخليج يمكن أن تقلد الصين إذ لا تشابه في عوامل السكان وحجم السوق المحلي إلا أن الفكر نفسه هو ما يستفاد منه. بني النموذج الكنزي لتحقيق النمو الاقتصادي على ثلاثة عناصر: الاستهلاك، والاستثمار الحكومي والخاص، وصافي الصادرات (الفرق بين ما تبيعه بلد ما لبلدان أخرى وما تشتريه منها)، وأي زيادة في الطلب يجب أن تأتي من أحد هذه العناصر الثلاثة، حيث إن عدم كفاية الطلب الكلي يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ النمو ثم ارتفاع معدل البطالة لفترات طويلة، وهو ما حدث بالفعل من انكماش للنمو في دول الخليج خلال عام 2017 حيث بلغ 0.7% حسب آخر إصدارات للبنك الدولي.

وإذا ما أردنا الاستفادة من الروشتة الكينزية لتحقيق النمو الاقتصادي في السلطنة، فقد نتفاجأ أن الاستهلاك الخاص في السلطنة يفوق الاستهلاك الحكومي بما يزيد عن 3 مليارات ريال عماني حيث بلغ الاستهلاك الخاص 9.4 مليار ريال عماني في عام 2016 في حين بلغ الاستهلاك الحكومي 6.1 مليار عماني وهما يمثلان ما نسبته 16% من إجمالي الناتج المحلي و11% على التوالي. مما يعني أن أي انخفاض في أي منهما سيؤدي إلى تباطؤ في النمو والعكس صحيح. جدير بالذكر إجماع التقارير التشخيصية لصندوق النقد الدولي عن معضلات التنمية على ضرورة دراسة مصادر النمو في دول الخليج؛ وذلك لوضع السياسات الاقتصادية المناسبة. وبالنظر إلى الحالة العمانية فقد أشار رئيس الجمعية الاقتصادية في رسالته للدكتوراة إلى وجود خلل هيكلي في النمو الاقتصادي للسلطنة داعيا إلى ضرورة البحث والتقصي لمصادر النمو إذ ثبت أن معدل النمو مرتبط بتراكم الأموال الناتجة عن ارتفاع سعر النفط وزيادة عدد العاملين، مما يعزز بطبيعة الحال ضرورة إيجاد نموذج بديل للنمو الاقتصادي الحالي. ولماذا تعد معرفة مصادر النمو مهمة؟ ذلك أن معرفتها تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي وبالتالي تحقيق الأهداف التنموية وعلى رأسها التشغيل.

ولتقريب الصورة أكثر في كيفية أن حل كينزي قد يكون هو المخرج، فقد استدركت المملكة العربية السعودية عواقب إيقاف البدلات والمكافآت لموظفي الدولة من مدنيين وعسكريين الذي تسبب في تباطؤ للنمو الاقتصادي؛ لذا جاءت موازنة المملكة لعام 2018 توسعية بشكل كبير، وذلك عن طريق زيادة الإنفاق للخروج من الكساد مستفيدة من درس قاس خلال 2017 و2016م. إن هذا التوسع سيسهم في زيادة الطلب وبالتالي إنعاش الاقتصاد، حيث يتوقع الخبراء ارتفاع القوة الشرائية في السوق السعودي المحلي بأكثر من 20%. إن لكل نظرية اقتصادية جوانبها المشرقة والأخرى السلبية، إلا إن الفكر الكينزي هو ما يصلح للخروج من الأزمات رغم أنه قد يكون من مساوئه ارتفاع مستوى التضخم عبر زيادة الاستهلاك، وهنا تأتي دور السياسات المالية والنقدية القائمة على استهداف التضخم. وقد نركن إلى التكرار صبرا وأملا: فإن الاستثمار ينمو في بيئته الصحيحة الجاذبة وليست المنفرة، وذلك عبر إزالة العقبات وتحديث التشريعات القائمة (وإصدار قانوني الإفلاس والشراكة بين القطاعين العام والخاص)، وتطوير الأداء الحكومي الذي لا ينحصر في الحكومة الإلكترونية أو مؤشرات الأداء إنما برنامج للتميز المؤسسي متكامل يستهدف أولا وأخيرا تنمية الكادر البشري.

إن ارتفاع سعر النفط أدخلنا في مرحلة وصفت بـ”بداية للتعافي بالرغم من التحديات” مما يعطي الدول المصدرة له فرصة لالتقاط أنفاسها والعمل بوتيرة أسرع نحو الإصلاحات الهيكلية آنفة الذكر وفرصة أخرى عبر إدارة دفة الاقتصاد بتبني سياسات اقتصادية توسعية معاكسة للدورة الاقتصادية تبعدنا عن الانكماش (تخفيض الضرائب، ورفع الإنفاق وقت الأزمات، والعكس صحيح. ارجع إلى مقال وصفة العبور المنشور بجريدة عمان في 2017). ليس لدي صندوق لأفكر خارجه، فكل فكر في الصندوق محدود، والأخذ بالوصفات الدولية يعني في الغالب حلولا معلبة تقدم للدول المصدرة للنفط والغاز بغض النظر عن السياق السياسي والاجتماعي، حتى إنه من المفارقات الغريبة أن يقدم توصيات إلى دولة قطر وهي صاحبة أعلى متوسط دخل للفرد في العالم بضرورة رفع الضرائب لتمويل العجز.

إن تحقيق النمو الاقتصادي للسلطنة يجب أن لا يقل عن 3% سنويا ليستطيع الاقتصاد توفير فرص العمل لاستيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل والمقدرين بحوالي 44 ألف سنويا (حسب التقديرات الرسمية المنشورة في سبتمبر 2017).

إن هذا المقال يطرح الخطوط العريضة على المستوى الاستراتيجي لإعداد استراتيجية للنمو الاقتصادي، فما الاستراتيجية القائمة اليوم؟ وهل من يفند ما طرحت؟ ويأتي ببديل أفضل؟ زيادة الاستثمار والاستهلاك … هي الوصفة إذ إن خلق قاعدة من الاستهلاك لا تكفي عبر السماح للعمالة الوافدة لمن يزيد راتبها عن 300 ريال بجلب عوائلهم، إنما تتحقق بسياسات العمل المستهدفة لإحلال المواطنين محل العمالة الوافدة في منتصف الهرم الوظيفي، وهو ما بدأت به مؤخرا المملكة العربية السعودية، فالسؤال المطروح اليوم: هل سنعمل بالسياسات التوسعية لموازنة 2019؟.