image_pdfimage_print

الشيخ سعيد بن احمد الكندي ..رجل العامرات الكريم وتلك الصورة المعلقة في بيت أبي …

كتبه : الدكتور محسن الكندي .
٢٠١٧/١٢/١٠

كلما دخلت مجلس والدي ببيتنا القديم بالثابتي تطالعني صورة وحيدة معلقة في صدارته منذ أمد بعيد ..صورة لرجل الظل الذي مثل لأبي على الدوام الاخ والصديق والرفيق والطالع السعيد الذي لا يضاهي أحد مقامه ، لأنه باختصار عكس معنى الصداقة وما يرتبط بها من صفات الشخصية العمانية ذات التوهج والحراك الاجتماعي الدائم .. شخصية ما فتئت تذكرك بماضي الشخصيات العمانية/ العربية وما تتصف به من كرم ونبل وتواصل ووفاء …

… شخصية ملأت محيطها بتميز في الحياة وتفرد في التفكير والرؤية ، فمجلسه العامر بالعامرات كان محط أنظار الناس الذين لا يكادون يعرفون العامرات البلد العتيق إلا به و بمؤسسها جده الفقيه الشيخ القاضي سعيد بن ناصر الكندي …..

امتدت علاقة الشيخ سعيد بوالدي زهاء ثلاثين عاما تعود جذورها إلى والده ، وعكست العصر الذهبي لوالدي في صلاته بالآخر المحلي / القبلي المحض …حيث مكونات التواصل والسفر والترحال بين أرجاء الوطن العماني وغيره ..

فما أن يحل الشتاء إلا ويحل معه ذهابا وإيابا الشيخ سعيد بن احمد بسيارته” الرنج روفر ” الفارهة في زيارات معتادة ليترافقا معا إلى ربوع الشرقية ذات الطقس الرملي الدافيء ليطلا في ضيافة الشيخ الكريم محمد بن حميد الحجري (بن رميدان) وسائر الحجريين الكرام ثم يستانفا معا رحلات الرمال والصحراء و صولا إلى رمال بني وهيبة ويقيما معا متنقلين بين شيخ وآخر وتطأ اقدامهما أرجاء الديار الجعلانية العامرة بأهلها….

بعد أيام من تلك الزيارات يعودان محملين بزاد تلك الديار واخبارها المتناثرة .. أخبار عن البدو ومرابعهم ، والحضر وأحوالهم … أخبار يقصها علينا أبي مشيدا بالشيخ سعيد ومستشرفا جميل طبائعه وما تحمله من مرؤءات ليقول لنا : انه اشترى ناقة نجيبة من فلان ،و باع ناقة أخرى لفلان وربح منها مبلغا وفيرا ، أو خسر فيها مبالغ كثيرة على سنن البيع التقليدي ..
وانه أهدى لشيخ قبيلة ما مزرعة كانت قد اشتراها من لدن آخر ، وهكذا تبدو رحلات الشيخ سعيد وأبي سردا من التفاصيل والجزئيات الاقتصادية والاجتماعية لم نعهد ثقافتها إلا من خلالهما ..

الشيخ سعيد رجل معطاء وصاحب كرم وجود ، وهو لا يضع للمال اعتبار مقابل علاقات اجتماعية جدية تحمل قيما اعتبارية للمجتمع ورجالاته ورموزه من مشايخ القبائل ورشدائها….

ما أحمله اليوم من ذكرى تلك المرحلة العابرة بعد أن مضت أكثر من ثلاث وعشرين سنة عليها وعلى رحيل الشيخ سعيد وأبي. صفات تتصل بشخصية الشيخ الكارزمية و كثافة حضوره الاعتباري ، فهو بين من أعرفهم يحمل سمات معينة أكسبته هيبة وجلالا .. فارع الطول وسيم وقور , تزين لحيته البيضاء السمحة محياه يحسن لباسه وهيئته .. يتحدث الإنجليزية بطلاقة بمثل ما يتحدث العربية بصفاء ونقاء لا تشوب شخصيته شائبة .. ثقة لبق ذكي سريع البديهة .. يجل الناس ويضعهم في مراتبهم ..وفي الجانب الآخر الشيخ سعيد مثقف صاحب خط معجب جميل .. يترنم بالشعر العربي القديم ويحفظ المعلقات ويطرب بامرئ القيس وعمرو بن أبي ربيعة ويكاد يقلدهما في جذوتهما العاطفية و جنوجهما الغرامي الجامح …

كما أنه كثير ما يترنم بالشعر فيرتل روائعه بالقراءة العمانية للشعر تلك القراءة التي تشبه حداء البدوي في صحرائه ..ومن بين ما سمعت من ترتيلاته أبياتا حكمية جميلة لأمير الشعراء أحمد شوقي :
صلاح أمرك بالأخلاق مرجعه                                  فقوم النفس بالأخلاق تستقم
والنفس من خيرها في خير عافية                               والنفس من شرها في مرتع وخم .

وفي الجانب الآخر من حياته أخبار سمعتها من أكثر من شخص .. اخبار وقصص تروي شموخه وتالقه في الميدان الوظيفي عندما التحق بحرب الجبل الأخضر فخاض عراكها في صف الحكومة المسقطية
وقد أوصلته تلك التجربة إلى أبواب السلطة الحاكمة وهيأت له علاقات مباشرة ومميزة ببعض المستشارين الإنجليز الذي عاش في كنفهم في مراحل متقدمة من حياته، ليكون له امتياز الدخول إلى قصر ( بكنجهام ) بكل أريحية ..وليحظى بمقابلة الملكة أكثر من مرة كما أخبرني بذلك شخصيا ..

الشيخ سعيد في المقابل رجل حياة ومجتمع وهو سليل أسرة مجيدة فوالده الشيخ أحمد بن سعيد الكندي رائد البعثة التعليمية العمانية الأولى التي أرسلها السلطان سعيد إلى بغداد ( مدرسة الأعظمية ) سنة ١٩٣٥ وقد ضمت بالإضافة إليه الرعيل الأول من طلبة البعثات الدراسية وعلى رأسهم الأديب عبدالله الطائي وصاحب السمو السيد ثويني بن شهاب ، وصاحب السمو السيد فهر بن تيمور ،والأستاذ حفيظ الغساني ، وعلي بن محمد الجمالي وغيرهم ..

أما جده فهو الشيخ الثقة والسياسي البارع والفقيه النزيه الذي تضرب إليه أكباد الإبل قاضي القضاة العلامة سعيد بن ناصر بن عبدالله الكندي الذي وقع وسيطا ونائبا عن العمانييين في معاهدة السيب المشهورة ١٩٢٠م
وبسط سيرته الذاتية المؤرخ الشيبة محمد السالمي في كتابه ” نهضة الأعيان بحرية أهل عمان ” ص ٤٧٢ وما بعدها . فأورد أدواره السياسية ومكانته الفقهية وصفه بأنه من أفاضل عصره ،وأقطاب مصره عاش سعيدا موقرا محترما إلى حد الشيخوخة ، تؤخذ عنه العلوم ، ويرجع إليه في حل المشكلات بالعاصمة السلطانية ” ..كما قال عنه أنه توفي في ليلة حادي صفر سنة ١٣٥٥ هجرية ، وولد بمحلة السويق من سمد نزوى عام ١٢٨٠ هجرية وحفظ القران عن ظهر غيب ، وأنه أزعج من وطنه وخرج من نزوى وقلبه بتفطر لفراق أهله ووطنه ونزل بساحة السيد هلال بن احمد بن سيف البوسعيدي ..كما “قام بقطع عوائق الغشم و الظلم عن العمانيين ، وسعى بالصلح .. “

ظل الشيخ سعيد بن أحمد بالنسبة لنا شخص غامض يحيط شخصيته بهالة من المكونات الضبابية فلا يكاد يعرف من أين يستمد قوته وجرأته التي تطال أحيانا القوانين الإدارية التي يراها مجحفة .. هل من قوة شخصيته وتقدير الوسط الرسمي والشعبي له ؟ , أم من بقايا وظيفته وأعماله ومرجعياته ؟! .. فلقد عمل في مطلع العهد الجديد في وزارة الاعلام والشؤون الاجتماعية موظفا في مكتب وزيرها الاديب المعروف عبدالله الطائي إلى أن اختلف معه …كما يبدو لي .. ولم يكمل تواصله معه بل حتى مع العمل الوظيفي بأسره .فاستقال والتحق بالتجارة التي عرفها في باكورة حياته عندما كانت أسرته تقيم في مسقط ويتأتى لنا ذلك اذا ما عرفنا أنه سليل الديار المسقطية وأصيل العاصمة النزوية المباركة وينحدر من بيئة علمية جل أفرادها قضاة المرحل وحملة العلم والمعرفة بيئة شغلها الفقه والتأليف والشعر فأنتجت أسفارا من المتون والكتب الصفراء ودواوين الشعر وخلد منها فقهاء ومنظرين ومرجعيات وشعراء ليس أقلهم عمه الشاعر الاستنهاضي الكبير أبو سلام الكندي صاحب القصائد المدوية التي تفيض وطنية وحنينا إلى الارض والتراب ..إضافة إلى عميه الشيخين عيسى بن سعيد ومحمد بن سعيد الذين وجدت لهما قصائد مبكرة منشورة في الصحافة العمانية المهاجرة بالشرق الإفريقي ومنها قصيدة كتبها محمد بن سعيد في وصف غوطة دمشق سنة ١٩٣٥ م .

وعلى كل حال يحظى الشيخ سعيد بن أحمد _ إنطلاقا من تلك المرجعيات _ بمكانة اعتبارية في مجتمعه وفي عمان كلها وهو صاحب مواهب رياضية وتقنية، وعلاقات اجتماعية، وله صداقات في أنحاء عمان والعالم يتجلى ذلك في تلك الحشود التي تؤم مجلسه في مناسبة يستوي ذلك بأناس تجلى لي مشاهدهم في تلك الأيام الخوالي بدءا من أواسط السبعينيات حتى أواخر التسعينيات من القرن المنصرم ..ففي ثاني أيام كل عيد يدعو أصدقاءه ومعارفه لتناول وجبة (الشواء) في حشود قلما تتكرر هذه الأيام .. وفي أوقات عصر كل يوم يفتتح برزته التقليدية (بدست حلوى شهي) مطلا على خيوله و نوقه الأصايل السباقة وهي تأوي إلى مرابطها .. فيتوافد عليها من يعزه فيقر ضيفه ويعز من شأنه ويصله إن غاب .. الشيخ سعيد شخص اريحي مضياف ورجل حياة ومجتمع قلما يتكرر في زماننا .. وقد انطفأت شعلة حياته بموت فجائي مباغت في الديار البدوية البعيدة في مطلع يوم قائض من عام ١٩٩٤( هو السادس من يونيو). وترك إرثا وثائقيا وسمعة كبيرة ما زالت تتردد كلما خطرت لنا ذكراه في علاقته بوالدي رحمهما الله ..