image_pdfimage_print

نتفاجأ – لكن ليس كثيرا- عندما نبحث عن دور الغرف التجارية بضعف المحتوى العربي، وقد لا نستغرب أيضا تشابه قصور دورها في تنمية الاقتصاد المحلي والترويج لمقومات الاستثمار وضعف تمثيل صاحبات الأعمال إن لم يكن منعدما، وحتى نتوه أكثر يتم إدخال الديمقراطية في موضوع الانتخابات وكأننا وجدنا عزاءنا الوحيد في غرفة التجارة والصناعة.

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعونا نُعرف ما هي الغرفة حسب المعمول به عالميا وبشكل مبسط تلافيا لمحاولة إعادة اختراع العجلة : هي تكتل أو شبكة network من ممثلي القطاع الخاص من تجار وصناع بكافة شرائحهم للدفاع عن مصالحهم. وتعد الغرفة ضمن مؤسسات المجتمع المدني (غير الربحية) ولديها استقلالية إدارية ومالية. ومرورا سريعا لتاريخ الغرف التجارية فأول غرفة كانت في مارسيليا بفرنسا عام 1599، أما أول غرفة عربية فكانت غرفة حلب عام 1885، وفي عام 1951 تم إنشاء اتحاد الغرف التجارية العربية في الإسكندرية.

يقود القطاع الخاص قاطرة النمو الاقتصادي، خاصة في ظل انحسار دور الحكومات حتى في دول العالم الثالث نحو الدور الرقابي والتشريعي مبتعدة شيئا فشيئا عن الدور التنفيذي والتشغيلي لتقديم الخدمات، لذا يعول الكثير على دور الغرف التجارية لقيادة الشراكة الفعلية بين القطاعين العام والخاص PPP، حيث يبلغ حجم الشراكة في الاقتصادات الناشئة 71.5 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي، ولا ينبغي النظر الى مفهوم الشراكة بين القطاعين على أن للقطاع الخاص دورا تنفيذيا للمشاريع التجارية والصناعية فقط ، وإنما الشراكة في تنفيذ الخطط الاقتصادية للدولة؛ حيث من المفترض أن تعمل المعرفة والخبرة التجارية الميدانية التي يتمتع بها ممثلو الغرف التجارية في الإسهام برسم خارطة طريق اقتصادية لتكن متناغمة مع ﺍﻷﻫﺩﺍﻑ ﺍلاستراتيجية التي تضعها الحكومة.

إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص – وهو توجه يتنامى عالمياً منذ تسعينيات القرن الماضي خدمة لجميع الأطراف – لا بد لها من جسر إداري تنظيمي ممثلا في تكتل القطاع الخاص في الغرف التجارية إذ أن التفاوض والحوار بين القطاعين يتم فيه تحديد أولويات الاستثمار، وكيفية التغلب على المعوقات والتحديات. جميع ذلك ينصب خدمة لهدف أسمى لوجود الغرف التجارية وهو العمل على تنمية الاقتصاد والترفع عن التركيز على المصالح الفردية الضيقة أو قرارات ارتجالية قد لا تخدم إلا مصالح كبار التجار، وهنا نقف لمعرفة مدى تأثير الدور الذي تقوم به فهي مطالبة بالإجابة على التساؤل:
ماذا فعلت من أجل أصحاب المؤسسات الصغيرة!!

وأين هي من التأثير على تنمية الاقتصاد المحلي؟؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات أمر حيوي وهام، إذ تقوم الحكومات ممثلة في الجهات المسؤولة عن الاقتصاد والتجارة بتقييم دور الغرف التجارية لمعرفة ما إذا كان مقتصرا على تحصيل الرسوم وبذلك يكون دور الغرف منظم organizer بينما هي في الأساس مؤسسة Institution ذات أثر اقتصادي اجتماعي، كما أن مراجعة دور الغرف يأتي في إطار النمو الطبيعي للاقتصاد وتغُيير احتياجات كل مرحلة، حيث تختلف الهيكلة الإدارية والقانونية للغرف التجارية من دولة الى أخرى ،وتضع التشريعات لضمان ترشح الأنسب، وقد تستخدم لذلك التعيين بجانب الترشيح بما يخدم مصالحها وتتغير بما يخدم التوجهات الاقتصادية الاستثمارية في كل مرحلة من مراحل النمو الاقتصادي عاكسة نضج القطاع الخاص ودوره في الاقتصاد الوطني. واستئناسا بالتجارب العالمية، فهناك تباين في التشريعات المنظمة للغرف ففي «كندا والولايات المتحدة وبريطانيا» تشترك الشركات بشكل تطوعي بينما الدول الآسيوية وبعض الدول الأوروبية فيتم إلزام الشركات على الاشتراك.

هناك العديد من التجارب الدولية التي تظهر لنا أمثلة ناضجة لما ينبغي أن يكون عليه دور الغرف التجارية، حيث تلعب الغرفة الألمانية دورا من أقوى الأدوار للغرف التجارية فهي تعتبر جهة مخولة لإصدار التراخيص مثل شهادة المنشأ، وتدخل في فض المنازعات التجارية من خلال التحكيم، وتسهم إسهاما فعالا في تنمية المهارات البشرية عبر المساهمة المالية في التدريب المهني. كما تعد المدرسة البريطانية من المدارس الرائدة في مجال الغرف التجارية التي تأسست في 1860 للميلاد، حيث تلعب دوراً محورياً في استضافة مؤتمرات عالمية منها المؤتمر السنوي الذي تحضره شخصيات عالم المال بالإضافة إلى قادة الفكر والمؤثرين في صناعة التوجهات، والأهم أنها تنظم ملتقى سنوياً بين قطاعي الأعمال والتعليم للحد من فجوة المهارات المطلوبة في سوق العمل؛ لاعبة بذلك دوراً مبادراً لا متفرجاً في المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، فضلا عن المساهمة في إعداد الشباب بالمهارات المطلوبة التي تلبي احتياجات سوق العمل. وفي الإطار نفسه فإن الغرف التجارية تسهم بمدخلاتها في سياسات سوق العمل وقوانينه المنظمة والتي تهدف أولا وأخيرا الى ضمان القضاء على البطالة، الأمر الذي يتطلب من ممثليها أن يحظوا بثقة القطاع الخاص بكافة شرائحه لتمكينهم من الخوض في المفاوضات مع الحكومة وإقناعها بجدية إسهاماتها.

هذا ويظهر جليا أنه لولا الشراكة الفعلية بين القطاعين العام والخاص لما تمكنت هذه البلدان من تحقيق تقدم في النمو الاقتصادي والاجتماعي، وإذا ما كانت السياسات المختلفة التي تضعها الحكومات تهدف بالأساس الى استدامة التنمية فإنها لا توضع منفردة وذلك من مبدأ عدم احتكار القرار بإشراك المؤسسات المدنية، وأن لا يكون دور القطاع الخاص استثماريا بحتاً بل شريكاً فاعلاً في التنمية.

إن لغياب الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص عواقب سلبية نجد مثالها من واقع دراسة الحالة الرومانية، حيث لوحظ أن القرارات التي اتخذتها الحكومة برفع الضرائب كانت محاسبية دون الأخذ بالإطار الاقتصادي الكلي، مما أثر تأثيرا سلبيا على جذب الاستثمار المحلي والخارجي. وإذا كانت الشركات الكبرى تعتقد أن بإمكانها أن تسبح ضد اجتياح طوفان العولمة بعيداً عن أي مظلة فهي مخاطرة، فهذا هو عصر التكتلات لحماية المصالح عصر اللوبيينج – إن صح التعبير- الأسلوب المهني لحماية المصالح.

الغرفة التجارية مؤسسة إقليمية وليس فقط محلية، وهي وجه الدبلوماسية التجارية حيث يظهر ذلك جليا في مدى القدرة التنظيمية للغرف التجارية على استغلال الفرص الاستثمارية وقت الأزمات، وبأن غياب الوعي أو عدم الاقتناع بالدور الهام للغرف سيعطل بلا شك التنمية الاقتصادية وسيزيد من الفجوة بين القطاعين العام والخاص، وسيؤثر سلبا على صيغتها الإدارية والقانونية التي لن تكون بالعمق المطلوب للعب الدور الحيوي الذي يخدم متطلبات الاقتصاد في كل مرحلة من مراحل نموه، وبأن الإدراك يقودنا لحقيقة «أن سفينة التنمية ستسير ببطء في ظل اعتمادها على محرك (حكومي) واحد، وحتى تسرع يستوجب على محركها الثاني (الخاص) أن يوضع في إطاره التنظيمي الصحيح».