image_pdfimage_print

 

في ذكرى وفاة أبي ( 9/6/1994)،كتبت:

لكل زمان رجال

 

إلى كل من ينعم بأمن هذه البلاد، ولم يعِ معنى المشي بين الألغام، الى كل روح أفنت عمرا وحلما في خدمة وطن، الى أصحاب المواقف، وكلمة الرجال الذين دفعوا ثمن ثباتهم على مواقفهم

آن بنت سعيد الكندي

نظرة عين حادة، تثقب فكرك لا تستطيع أمامها الا أن تتجرد من كل قناع او نية لتغطية حقائق وخبايا الامور، حضور يندر أن تراه انقرض بمقدار جهلنا اليوم بمعنى رجل دولة. كم هي مرعبة الكتابة عن شخصية استثنائية، لا تجد لها معلومة في المراجع الاعتيادية لا ملف وظيفي ولا سيرة ذاتية مسموحة بالنشر شخصية استخباراتية من الطراز الرفيع. كتلك التي تظهر في تأسيس أعمدة الدول وتسهم في صياغة التاريخ.

أجد نفسي وسط الصحراء لا تغطيني سوى نجومها، نمت في الوديان وفي رمال الصحراء بجانبي أخي الأصغر أحمد. تشرق علي الشمس وأنا ادخل بيت والي المضيبي، السيد عبدالحميد بن يعرب البوسعيدي _ احد أصدقاء الوالد و رفقاء الدرب- نجد في استقبلنا الحرس ببنادق بو عشر أو الصمع* عاكسا هيبة الولاة في ذلك الزمان و دورهم الأمني الهام في بدايات تأسيس النهضة العمانية. يبدأ يومنا الترحالي بوجبة إفطار معتبرة بأصناف الطعام ذا النكهة الاصيلة البعيدة عن أي طعم اصطناعي تماما كما هي رائحة الزمان في بداية الثمانيات. ثم اجد نفسي في سوق نزوى القديم حيث ينادي الباعة بكل انواع الأسلحة و تفوح رائحة البن المحمص و خلطات البهارات العمانية لاجد نفسي في بيت الشيخ احمد بن محمد بن سالم الرقيشي (أحد أعمدة حفظة التاريخ العماني، و ابن العلامة المعروف الشيخ محمد بن سالم) و في بيت خال من صنوف البهرجة الكاذبة، عظيم ببساطته كعظم تواضع الكبار. إن كنت محظوظة أرجع إلى البيت مساءً دون أن تكون هناك محطات ثالثة ورابعة، لتستقبلني اختي أنيسة بالعقاب لذنب لم اقترفه على اتساخ ملابسي وشعري الذي لا يمكن تنظيفه من غسلة واحدة. كان ذلك وصفا لرحلة اعتاد والدي يأخذني معه نهاية كل أسبوع. وفي بعض الأحيان أجد نفسي في عمق الصحراء بين قبائل بني وهيبة والجنبة وعلى أطراف الربع الخالي يأخذ أبي معه حقيبة الادوية في وقت لم تنتشر بعد فيه المراكز الصحية.

عرفت اليوم، انني ابنت رجل غير عادي، وأن تجربة طفولتي الثرية أسهمت في تركيبة شخصيتي فرصة لم تكن تتأتى لي لو كنت ابنة موظف او مسؤول رفيع كان سيخاف علي من غبار الدرب و طعام البدو المليء بالتربة و الحصى-في ذاك الزمان-.  لم يشعرني والدي بأن هناك فرق بيني وأخي وبيني واخوتي، دفعني لركوب الخيل، رغم الخوف الذي يملأ قلبي لإتعلم ان الاقدام على التجربة كفيل بكسر حاجز الخوف. كان شيوخ القبائل يستنكرون وجود طفلة في مجالسهم ومن يجرؤا منهم على التلميح بغرابة وجودي، يجيبهم بردود لا تخلو من حسه الفكاهي العالي، كاسرا جمود جلسات يغلب عليها طابع الرتابة وبعضا من الجدية، وكثير من المجاملات. عشت كل أنواع الاثارة، في زمن أدوات اثارته جمهور حقيقي وأحداث سخنة، كنت لا اتنقل الا والسلاح في السيارة.

لم يكن هناك من داع ليحكي لي أبي عن اسهاماته او اعماله التي يحلو للبعض تسميتها بالمغامرات، فالشجاعة يستعصي فهمها على من لم يكن له منها سوى نصيب يسير. فكل شيء فيه يتحدث عن نفسه، فكيف لرجل درس في المدرسة السعيدية بتعليمها البسيط -ما زال اقرانه في بعض مناصب الدولة- أن يتقن الإنجليزية كتابة وقراءة وتحدثا، ولماذا لم يطور بعض اقرانه أنفسهم الى هذا الحد؟ واكتفوا بما حققت لهم النهضة من يسر العيش، ولما لم يستكين بعد ان استتب الامن في البلد وبدأت عجلة التنمية تدور؟

كم هي حكاية مشوقة عندما لا تكون طرفا فيها، وحدهم من يعيشون في بيوت رجال الامن يعرفون أن لا شيء بلا ثمن وأن اعدائك أكثر من اصدقائك واكثرهم أقرب اقربائك. فالأمن لا يأتي بالجلوس على المكاتب في مرحلة تأسيسية من عمر الدول بل عمل ميداني من المتوقع أن تتعرض لاغتيال في أي لحظة، وليس اعتيادي ان ينعم أبنائهم بالراحة في ظل ما يتعرضون له من ضغوط نفسية وطريقة عيش ليست معتادة؟.و أم عليها أن تتعامل مع  زوج يعايش هول خبايا الأمور التي يكتمها و تظهرها حدة تصرفاته.

لم يقل لي ابي الشيء الكثير فقد مات وعمري ستة عشر عاما، لكنني تعلمت من ابي ألا أحني رأسي وأن املك شجاعة الصدق، أن لا ابيع ما أؤمن به مهما كان المقابل، ألا اعرف النفاق، انا لا أخاف من شيء، أن أكرم الضيف مهما كان ،أن قضاء حوائج الناس واجبا لا خيارا ، أن لا تخدعني مظاهر الناس و أبحث عن عمقهم و دوافعهم، كان هو من رباني على الفكر النقدي و عدم القبول بالأمور بظاهرها السطحي. تعلمت من ابي ان الدول تخطط الى المدى البعيد وليس لليوم وغدا. تعلمت من ابي أن التعامل مع العدو بالاقتراب منه اكثر. فما أسهل القول ان الدول العظمى المستعمرة عدوة، والاقتراب منها خيانة، ولا خيانة أعظم من غباء تدفعه شجاعة غير محسوبة، أو تقمصا لوطنية للوصول الى المناصب، والمنافع الشخصية. تعلمت أن ثمن الصدق مهما كان قاسيا، إلا أنه سيأتي يوما تبرز فيه الحقائق.

لم يحكي لي ابي عن دوره في الفترة الحرجة التي أعقبت حرب الجبل الأخضر التي حسمت في سنة 1959 و تردي الأوضاع الأمنية في ستينات القرن الماضي. أخبروني أنهم سمعوا دوي اللغم الذي انفجر به في بدبد*** اثناء عبور سيارته قادما من مسقط متجها إلى سمائل. ولم يذكر أن له دورا  استخباراتيا في توطيد أسس الحكم في وقت تقاذفت عمان تيارات الشيوعية مع اندلاع حرب ظفار في الستينات و صولا الى احداث تولي صاحب الجلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم في يوليو 1970 و انتهاء إلى اخماد  الحرب سنة 1975، لم يقل لي ابي كل هذا كله سمعته همسا بعد وفاته من هنا و هناك، فما زالت امي و بعد أكثر من ثلاث و عشرين عاما على وفاته تقدس عمل ابي و تعرف اين تقف الخطوط الحمراء. كم هو مؤلم أن لا تعرف عن أبيك؟

قال لي أبي يوما وهو في آخر سنين عمره و عندما عركته حكمة الحياة، و بعد أن جرب صنوف العز، يا بنتي ليس هناك شيء كالترف يضيع معنى الانسانية. كبرت وفهمت أن من يعيش الترف لا يعرف أن يحس بمعاناة الناس، وأن السياسي المحنك لابد أن يبقى بين الناس ويسير مسارهم اليومي يتبضع من السوق ويأكل  معهم حتى لا تغره مستويات عليا و تزيد الفجوة بينه و بين الناس.

أتذكر أبي طوال عمري تحت السمرة** بقهوته البسيطة، كانت آخر وصاياه و هو يخرج من بيتنا بلا عودة هذه المرة داعيا أمي ” أياكم أن تقطعوا القهوة عن الناس”. لم أصادف بعد في حياتي شخصية قادرة على التوغل في عمق البداوة، وعمق الحضارة في آن. تجده مع البدوي بدوي مثله بلبسه ومأكله وعاداته، ومع  الإنجليزي، يتقن حديثه و الأهم طريقة تفكيره. و تراه مع شيوخ القبائل شاعرا تارة متصدرا المجالس، و صاحب فكر تجديدي و رأي مسموع يجبى اليه من الكلام فصيحه بحجة يعلو بها التدبير كما وصفه أمير البيان تارة اخرى. فإما أن تجد في هذه الحياة إحدى هذه الأدوار، فيستحيل أن تراها مجتمعة في شخص.

لم يترك لي ابي اموالا اتباهى بها، بل ديونا نوفيها أنا واخواني، لكنه ترك لنا في المقابل أرثا من نوع آخر، منحنا وبكل امتنان صيتا يحسدنا عليه من اعتقد أن المال يمكن أن يكون كل شيء، فلا ثمن لإرث يتوجه عدم التنازل عن مواقف آمنت بها. ولا يمكن لأحد سلب تاريخك أو محيه، خاصة ان اثبتت الأيام صحة مواقفهم وصدق اخلاص نصائحهم.

للصدق أصول تفرض علي احترامها فإن كنت اليوم اتحدث عن رجل صريح، كلفته صراحته الكثير، فلا أستطيع القول أن ابي خال من العيوب، و القصور. كان ابي شديد الغضب في بعض المواقف، قال لي يوما: الغضب يضيق من افق نظرة الانسان ويحد من رؤيته للأمور. كان ابي مسرفا في كرمه، كما أسرف في صدقه حتى كان يقول: يحب الناس من يجاملهم، وما أن تظهر لهم الحقيقة حتى ينقلبوا أعداء. يُعرف عن رجال الامن الحدة في قسوتهم فيمن قد يفكر بالعبث في أمن البلاد إلا أن ما يخفف هذا الطبع الحاد هو الإنسانية إن وجدت لبعضهم.

كان الناس يعرفون أن في الدولة رجال، يقصدونهم في قضاء حوائجهم، وفي ظلم وقع عليهم، او امرأة تشكي جور زوجها وأهله، كان هناك رجال دولة لا رجال مناصب، فهناك خيط رفيع بين ما يستطيع أن يحققه القانون وبين أخلاقيات الإنسانية.

أترى الصدق هكذا ثمنه باهض؟!، أهو جموح الطموح؟! أم احتراز بريء من طعنات الظهر؟! لكن عمان لا تنسى أبنائها، وإن حاول مشوهو التاريخ، سينصفك صدق احسانك، وإنسانية قراراتك وإن كانت تبدو مغلفة بطابع القسوة الامني.

من لي بمثلك إن تساجلت البرى*****و كبا على مضمارهن ضمير

أمير البيان المرحوم الشيخ عبدالله بن علي الخليلي

حرر في 6 /2017

*أسماء الأسلحة المنتشرة حسب الفترة الزمنية

** السمرة: شجرة الصحراء

***بدبد: منطقة بالقرب من سمائل

أمير البيان:
المرحوم الشيخ عبدالله بن علي الخليلي

النبأ الرهيـب

مرثية الشيخ سعيد بن احمد بن سعيد الكندي

نبئت والنبا الرهيـب يطيـر* تطوى السـماء له وتدنى الدور

تـنعى التجلد والتصلب والإبا * إن الكريـم إذا أصيـب صبور

أسليل أحمد من سعيد جده * علامة فيه العلوم بحور

من لي بـمثلك يا سعيد إذا دجا * ليل العمى وتبجس التـنور

من لي بـمثلك للعويصة إن خوت * عنها العقول وخانهن صدور

من لي بـمثلك إن تساجلت البرى * وكبا على مضمارهن ضميـر

أسليل أحمد قد عرفت مغامراً * عَوَّامَ لُجٍّ موجه شريـر

وعرفت أنك في الشجاعة واللقا * جلـمود صخر حطه الـمقدور

وإذا أميط عن السخاء لثـامه * برَّزتَ فيه به إليه تـشيـر

لله درك ما دعيت لنكبة * إلا نهضت لها وأنـت هصور

فـفرجت أزمتها وخضت غمارها * وتركـتها وأديـمها مشطور

وإذا الكلام تلعـثـمت فصحاؤه * أنـت الخـطيـب وفحله الـمشهور

يـجبـى إليك من الكلام فصيحه * في حجة يعلو بها التدبـيـر

أسعيد عد للعامرات مؤبنا * والجود يـبكي والسخاء وتيـر

وارجع إلى الرب الكريـم فـكـم له * لطف ولطف الله جل كـبـيـر

وعليك من حسن الرجاء تـمائم * ومن الدعاء أكـنة وستور

أمير البيان:
المرحوم الشيخ عبدالله بن علي الخليلي

09/06/1994